الغزالي
76
التبر المسبوك في نصيحة الملوك
من مسيرة ألف فرسخ ، والجور يتراكم ظلامه ويسود قتامه من مسيرة ألف فرسخ . وقال الفضيل بن عياض : لو كان دعائي مستجابا لم أدع به لغير السلطان العادل ؛ لأن السلطان العادل صلاح العباد ، وزينة البلاد ، وقد جاء في الخبر ، عن سيد البشر صلوات اللّه وسلامه عليه : « المقسطون على منابر اللؤلؤ يوم القيامة » « 1 » . حكاية : كان الإسكندر يوما على تخت مملكته وقد رفع الحجاب ، فقدم بين يديه لص ، فأمر فقال : أيها الملك سرقت ولم يكن لي شهوة السرقة ولم يطلبها قلبي ؛ فقال له الإسكندر : لا جرم تصلب ولا يطلب قلبك الصلب ولا يريده . فواجب على السلطان أن يعدل وينظر غاية النظر فيما يأمر به من السياسة ، لينفذ ذلك في أصحابه مثل وزيره وحاجبه ونائبه وعامله ؛ لأن كثيرا من سياسة السلطان وعدله ونظره حسن تأمله يغطى عليه بالبراطيل ويغرب وقته ، وذلك من تغافل الملك وتهاونه ، فينبغي أن يجتهد غاية الاجتهاد في تدارك ذلك كما جاء في الحكاية : حكاية : كان للملك كشتاسب وزير اسمه راشت روش ، وبهذا الاسم كان يظن كشتاسب أنه تقي صالح ، وما كان يسمع فيه كلام أحد يقدح فيه ، ولم يكن يخبر حاله ، فقال راشت روش لخليفة الملك : إن الرعية قد بطرت الآن من كثرة عدلنا فيهم وقلّة تأديبنا لهم ، وقد قيل إذا عدل السلطان جارت الرعية ، والآن قد قامت منهم رائحة الفساد ويجب علينا أن نؤدبهم ونزجرهم ونبعد المعتدين ونقرب الصالحين . ثم إنه كان كل من ألزمه الخليفة أن يؤدبه ارتشى منه راشت روش وأطلقه ، إلى أن ضعفت الرعية وضاقت بها الأحوال ، وخلت الخزائن من الأموال ، فظهر لكستاشب عدو فاعتبر خزائنه فلم يجد فيها شيئا يصلح به أمور عسكره ، فركب يوما في شغل عليه وسار في البرية ، فرأى من بعد قطيع غنم فقصده ، فرأى خيمة مضروبة والأغنام نيام ، ورأى كلبا مصلوبا ، فلمّا قرب من الخيمة خرج إليه شاب فسلّم عليه وسأله النزول ، فأكرمه وقدم بين يديه ما حضر كما وجب ، فقال كشتاسب : أخبرنا عن حال هذا الكلب وصلبه ! قال : يا مولانا كان هذا الكلب أمينا
--> ( 1 ) في صحيح مسلم [ جزء 3 - صفحة 1458 ] رقم ( 1827 ) بلفظ : ( إن المقسطين عند اللّه على منابر من نور عن يمين الرحمن عز وجل وكلتا يديه يمين ، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا ) .